الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك
سبحانك اللهم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، خير نبي أرسله، أرسله الله إلى العالم كلِّهِ بشيراً ونذيراً، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وعلي أصحابه صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين
وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى
أما بعد
أستاذ فنّ الفداء
إنه سيدنا
خباب بن الأرت
رضي الله عنه
خرج نفر من القرشيين، يغدّون الخطى، ميممين شطر دار خبّاب ليتسلموا منه سيوفهم التي تعاقدوا معه على صنعها
وقد كان خباب سيّافا، يصنع السيوف ويبيعها لأهل مكة، ويرسل بها إلى الأسواق
وعلى غير عادة خبّاب الذي لا يكاد يفارق بيته وعمله، لم يجده ذلك النفر من قريش فجلسوا ينتظرونه
وبعد وقت طويل جاء خباب على وجهه علامة استفهام مضيئة، وفي عينيه دموع مغتبطة, وحيّا ضيوفه وجلس..
فسألوه عجلين: هل أتممت صنع السيوف يا خباب؟
وجفت دموع خباب، وحل مكانها في عينيه سرور متألق، وقال وكأنه يناجي نفسه: إن أمره لعجب
وعاد القوم يسألونه: أي أمر يا رجل..؟؟ نسألك عن سيوفنا، هل أتممت صنعها؟؟
ويستوعبهم خبّاب بنظراته الشاردة الحالمة ويقول:
هل رأيتموه؟ هل سمعتم كلامه؟
وينظر بعضهم لبعض في دهشة وعجب
ويعود أحدهم فيسأله في خبث:
هل رأيته أنت يا خبّاب؟
ويسخر خبّاب من مكر صاحبه، فيردّ عليه السؤال قائلا:
من تعني؟
ويجيب الرجل في غيظ: أعني الذي تعنيه؟
ويجيب خبّاب بعد إذ أراهم أنه أبعد منالا من أن يستدرج، وأنه اعترف بإيمانه الآن أمامهم، فليس لأنهم خدعوه عن نفسه، واستدرجوا لسانه، بل لأنه رأى الحق وعانقه، وقرر أن يصدع به ويجهر..
يجيبهم قائلا، وهو هائم في نشوته وغبطة روحه:
أجل قد. رأيته، وقد سمعته.
رأيت الحق يتفجر من جوانبه، والنور يتلألأ بين ثناياه..!!
وبدأ عملاؤه القرشيون يفهمون، فصاح به أحدهم:
من هذا الذي تتحدث عنه يا عبد أمّ أنمار؟
وأجاب خبّاب في هدوء :
ومن سواه، يا أخا العرب.. من سواه في قومك، من يتفجر من جوانبه الحق، ويخرج النور بين ثناياه..؟!
وصاح آخر وهبّ مذعورا:
أراك تعني محمدا..
وهز خبّاب رأسه المفعم بالغبطة، وقال:
نعم انه هو رسول الله إلينا، ليخرجنا من الظلمات إلى النور
ولا يدري خبّاب ماذا قال بعد هذه الكلمات، ولا ماذا قيل له..
كل ما يذكره أنه أفاق من غيبوبته بعد ساعات طويلة ليرى زوّاره قد انفضوا, وجسمه وعظامه تعاني رضوضا
وآلاما، ودمه النازف يضمّخ ثوبه وجسده!
وحدّقت عيناه الواسعتان فيما حوله..
وكان المكان أضيق من أن يتسع لنظراتهما النافذة، فتحمّل على آلامه، ونهض شطر الفضاء وأمام باب داره وقف متوكئا على جدارها، وانطلقت عيناه الذكيتان في رحلة طويلة تحدّقان في الأفق، وتدوران ذات اليمين وذات الشمال..إنهما لا تقفان عند الأبعاد المألوفة للناس.. انهما تبحثان عن البعد المفقود...أجل تبحثان عن البعد المفقود في حياته، وفي حياة الناس الذين معه في مكة، والناس في كل مكان وزمان..
ترى هل يكون الحديث الذي سمعه من محمد عليه الصلاة والسلام اليوم، هو النور الذي يهدي إلى ذلك البعد المفقود في حياة البشر كافة؟
واستغرق خبّاب في تأمّلات سامية، وتفكير عميق.. ثم عاد إلى داخل داره.. عاد يضمّد جراح جسده، ويهيئه لاستقبال تعذيب جديد، وآلام جديدة!
ومن ذلك اليوم أخذ خبّاب مكانه العالي بين المعذبين والمضطهدين..
أخذ مكانه العالي بين الذين وقفوا برغم فقرهم، وضعفهم يواجهون كبرياء قريش وعنفها وجنونها
أخذ مكانه العالي بين الذين غرسوا في قلوبهم سارية الراية التي أخذت تخفق في الأفق الرحيب ناعية عصر الوثنية، والقيصرية مبشرة بأيام المستضعفين والكادحين، الذين سيقفون تحت ظل هذه الراية سواسية مع أولئك الذين استغلوهم من قبل، وأذاقوهم الحرمان والعذاب
وفي استبسال عظيم، حمل خبّاب تبعاته كرائد..
يقول الشعبي:
" لقد صبر خبّاب، ولم تلن له أيدي الكفار قناة، فجعلوا يلصقون ظهره العاري بالرضف حتى ذهب لحمه"..!!
أجل كان حظ خبّاب رضي الله عنه من العذاب كبيرا، ولكن مقاومته وصبره كانا أكبر من العذاب..
لقد حوّل كفار قريش جميع الحديد الذي كان بمنزل خبّاب والذي كان يصنع منه السيوف.. حولوه كله إلى قيود وسلاسل، كان يحمى عليها في النار حتى تستعر وتتوهج، ثم يطوّق بها جسده ويداه وقدماه..
ولقد ذهب يوما مع بعض رفاقه المضطهدين الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا جوعين من التضحية، بل راجين العافية، فقالوا:" يا رسول الله.. ألا تستنصر لنا..؟؟" أي تسأل الله لنا النصر والعافية...
ولندع سيدنا خبّابا رضي الله عنه يروي لنا النبأ بكلماته:
" شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببرد له في ظل الكعبة، فقلنا: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا؟
فجلس صلى الله عليه وسلم، وقد احمرّ وجهه وقال:
قد كان من قبلكم يؤخذ منهم الرجل، فيحفر له في الأرض، ثم يجاء بمنشار، فيجعل فوق رأسه، ما يصرفه ذلك عن دينه!
وليتمّنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى الله عز وجل، والذئب على غنمه، ولكنكم تعجلون"!
سمع خبّاب ورفاقه هذه الكلمات، فازداد إيمانهم وإصرارهم وقرروا أن يري كل منهم ربّه ورسوله ما يحبّان من تصميم وصبر، وتضحية.
وخاض خبّاب معركة الهول صابرا، صامدا، محتسبا.. واستنجد القرشيون أم أنمار سيدة خبّاب التي كان عبدا لها قبل أن تعتقه، فأقبلت واشتركت في حملة تعذيبه
وكانت تأخذ الحديد المحمى الملتهب، وتضعه فوق رأسه ونافوخه، وخبّاب يتلوى من الألم، لكنه يكظم أنفاسه، حتى لا تخرج منه زفرة ترضي غرور جلاديه..!!
ومرّ به سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، والحديد المحمّى فوق رأسه يلهبه ويشويه، فطار قلبه حنانا وأسى، ولكن ماذا يملك عليه الصلاة والسلام يومها لخبّاب؟
لا شيء إلا أن يثبته ويدعو له..
هنالك رفع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كفيه المبسوطتين إلى السماء، وقال:
" اللهم أنصر خبّابا"..
>>>>>>>>>>>>>> البقية تأتي إن شاء الله تعالي >>>>>>>>>>>>>>